أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

162

شرح مقامات الحريري

بالذهب ما مسّه أحد ، وعليه در منثور ، فوجّه الحسن إلى المأمون أن هذا نثار يجب أن يلتقط ، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء : شرّفن أبا محمد ، فمدّت كل واحدة منهنّ يدها ، فأخذت درّة وبقي باقي الدرّ يلوح على الحصير المذهب ، فقال : قاتل اللّه أبا نواس ، لقد شبّه بشيء ما رآه قط ، فأحسن ، في وصف الخمرة والحباب الذي فوقها فقال ! [ البسيط ] كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء درّ على أرض من الذّهب فكيف لو رأى هذا معاينة ! ويقال : إن الحسن بن سهل نثر في ذلك العرس على المأمون ألف حبّة جوهر ، وأشعل بين يديه شمعة عنبر ، وزنها مائة رطل ، فأمر له المأمون بمائة ألف ألف درهم ، وأقطعه مدينة فم الصّلح ، وهي قريبة من واسط ، وكان العرس بها . وذكر المبرّد أن الملاحين الذين تصرّفوا في هذا العرس نيّفوا على السبعين ألفا ، وكانت جراية السلطان عليهم ، ولما بنى المأمون على بوران وأراد غشيانها حاضت ، فقالت : أتى أمر اللّه فلا تستعجلوه ! فنام في فراش آخر ، فلمّا أصبح دخل عليه أفضل ندمائه يهنئونه ويدعون له فأنشدهم بديها : [ المديد ] فارس في الحرب منغمس * عارف بالطّعن في الظّلم رام أن يدمي فريسته * فاتّقته من دم بدم وأكثر الشعراء في ذلك الإملاك ، وأستظرف منها قول ابن أبي حازم الباهليّ : [ مجزوء الخفيف ] بارك اللّه للحسن * ولبوران في الختن يا بن هارون قد ظفر * ت ولكن ببنت من ! فلما وصلت إلى المأمون قال : لا واللّه ما ندري أخيرا أراد أم شرّا . ويشبه هذا أن رجلا أتى رجلا خياطا بثوب ليقطع له منه قميصا ، فقال : واللّه لأفصلنّه لك تفصيلا ، لا يدرى أقميص هو أم قباء ؟ ففعل ذلك ، فقال له صاحب الثوب : وأنا واللّه لأدعونّ لك دعاء لا يدرى ألك هو أم عليك ؟ وكان الخياط يسمّى بشرا ، وكان أعور ، فقال : [ الرمل ] خاط لي بشر قباء * ليت عينيه سواء وأتت المأمون بجهاز لم يسمع بمثله قطّ كان فيه الفرش منسوجة بالذهب . وقال إبراهيم بن العباس الصّوليّ يهنئ الحسن بمصاهرة المأمون : [ البسيط ] هنّتك أكرومة جلّلت نعمتها * أعلت وليّك واجتثّت أعاديكا